حسن الأمين

28

مستدركات أعيان الشيعة

إنها مأساة المتنبي . . فقد حرمته القطيعة مع سيف الدولة مجدا يحرك في ذاته كل طاقات الخلق والإبداع ، هو مجد الصداقة أولا ، ومجد الايمان بالبطولة ثانيا ، ومجد القضية التي كان يرى في سيف الدولة بطلها . ثالثا . . . لقد حرمته القطيعة هذا المجد ، فلم يبق له الدافع العظيم الذي ينشد المطلب العظيم ويفجر الشعر العظيم ، كما كان يوم كان في صحبة سيف الدولة . من هنا نراه ينحدر في مدح رخيص ، وفي شعر خمد لهيبه الذي نعرفه يتوقد في القصائد الحمدانية ، ونرى الصور الملحمية تختفي كليا من القصائد الكافورية . ومن هنا أيضا لم يطل عهده بكافور ، لأن حاكم مصر كان ينوي منذ البدء أن لا يعطي المتنبي ما يرجوه ، بل يماطله بالوعيد حتى يستنفد من مدحه قدر ما يمكن . فلما أيقن الشاعر أن أمواله التي يرجوها من كافور لن تكون سوى « المواعيد » تنكر له ، وعزف عن مدحه إلى هجائه ، ورأينا لهب الشعر يتسعر من جديد في أهاجيه اللاذعة بكافور . . ويترقب الفرص للفرار من قبضة حاكم مصر على حال سيئة تقتضيه المسير على قدميه تحت أستار الظلام ، ويعود إلى موطنه العراق يائسا تشتعل نار المأساة في جوانحه ، لا يدري - بعد - أين المصير ؟ . . ولكن تحدث له أحداث ، وهو في العراق ، إذ تموت جدته ، وتأتيه الأنباء والوفود من سيف الدولة فتتحرك شاعريته بأمر جديد ، ويتأجج وجدانه بلهب جديد ، فإذا مرثيته لجدته ، ومرثيته لأخت سيف الدولة ، ترجعان إلى شعره روعة النغم النابع من مصادره الوجدانية العميقة الصادقة الدافقة . . ثم يختم حياته القلقة ببضع مدائح ليست في مستوى شعره العظيم ، يقولها بابن العميد وعضد الدولة عند تلبية دعوتهما في فارس . . ويسدل الستار بمصرعه الفاجع عند عودته إلى موطنه الأول ، الكوفة . . يسدل الستار على تلك الحياة المتعبة المتناقضة ، ويبقى شعره مجدا باقيا له وللأدب العربي لن ينطفئ وهجه أبدا . . المتنبي في شعب بوان قال محمد شرارة : قد تكون وقفة التاريخ مع المتنبي أطول الوقفات التي عرفها مع الأدباء عامة والشعراء خاصة . وإذا استعرضنا ما قيل فيه وعنه وجدنا سيلا من الأفكار والعواطف المختلفة ينتشر حوله ، ويدور حول حياته وأدبه ، بينما لم ينل غيره سوى قطرات . والإطار العام الذي وضعه التاريخ فيه لا يتعدى « الكبرياء » و « الغطرسة » و « الغرور » وما أشبه ذلك من المعاني التي توحيها قصائده أو معظم قصائده . وكان من وراء الإطار المذكور شيوع الصور المتكبرة وانطباعها في النفوس عن الشاعر بحيث أصبح ذكره كافيا لأن ينقل إلى نفس السامع معاني الكبرياء والغطرسة والغرور . وإذا شاعت هذه المعاني عن شخص وضعت بينه وبين الناس هوة أو أسلاكا شائكة يصعب اجتيازها ، وأصبح مكروها ممقوتا يثير ذكره معاني الاشمئزاز ، لأن الصفات المذكورة تؤدي بصاحبها إلى احتقار الآخرين ، والحط من شأنهم ، والإنسان مهما كان ، يرفض احتقار الآخرين ، ويرى فيه إهانة لنفسه ، ولا يرى موجبا للاتصال بمن يحتقره ، ويحاول إهانته إلا إذا كانت كرامته ضئيلة ، وكان له نفع من وراء الخضوع للإهانة ، فإنه - عندئذ - يبلع الإهانة في سبيل المنفعة الخاصة ، ويتحمل كبرياء غيره ، ويرضى بالذل . ولا نعرف للشاعر جولة في هذا الميدان : ميدان المنافع حتى يتحمل المتصلون به - في سبيل - ذلك - غطرسته وكبرياءه ! . هذا الإطار الذي خطه التاريخ حول الشاعر هو الخط البارز في حياته ، وفي شعره . ولم يكن التاريخ جانيا ولا ظالما حينما وضع هذا الإطار حوله . . لم يكن جانيا كل الجناية ، ولا ظالما كل الظلم ، ولكن قد يكون في تخطيطه بعض الجناية لأن هناك ومضات حلوة سائغة هاربة من ذلك الإطار التاريخي المعروف ، هذه الومضات خالية من الكبرياء والغطرسة والغرور وما أشبه ذلك من المعاني التي توحيها قصائده أو معظم قصائده ! . وقد وقف صديقنا الأستاذ حسين مروة في بحثه القيم عنه على ومضة من تلك الومضات الصافية ، وأخرج الشاعر من الإطار التاريخي المعروف ، أخرجه منه إلى عالم جميل . . . عالم مناضل يذيب نفسه في سبيل العقيدة أو الفكرة . ولكن صديقنا كبر الومضة وخلق منها هالة واسعة . . هالة عظيمة تكاد تخرج الشاعر من الإطار الذي وضعه فيه التاريخ ، وتضعه في إطار معارض له . فاعتبار « المتنبي . . . شاعر الجهاد العربي » شيء كبير تؤاخذ عليه المقاييس العلمية . ونحن الذين اعتدنا - والأستاذ مروة في طليعتنا - أن نستشير الفلسفة القائمة على العلم فيما نقول أو نكتب ، نستكبر أن يكون « المتنبي . . شاعر الجهاد العربي » ، ونرى في هذا الوصف « هالة » أو « وساما » لا يستحقه الشاعر . ومهما يكن الأمر فالاطار الذي وضعه التاريخ حول الشاعر لم يكن عادلا كل العدالة ، كما أن « الهالة » الرائعة التي وضعه فيها الأستاذ مروة كانت كبيرة عليه ، وفوق ما يستحقه . ووضع الأمور في نصابها يدفعنا إلى محاسبة التاريخ ، ومحاسبة الأستاذ مروة أيضا وإن اختلفت وجهة الحساب . فالمتنبي لم تكن حياته كلها أنانية وعجرفة كما يصوره التاريخ ، ولا كانت جهادا في سبيل العرب والعروبة كما حاول أن يصوره الأستاذ مروة . والمقياس الدقيق الذي وضعه الأستاذ في تحليل النزعة القومية هو نفسه يخرج المتنبي من تلك « الهالة » ويبعده عنها مسافة كبيرة ، ولكنه وإن أخرج منها يبقى في شعره نبرات منها ، وهذه النبرات هي التي أغرت الأستاذ مروة ، وزينت له أنها « أكثر من مجرد الشعور » وجذبته إليها تلك الجاذبية التي جعلته يحسها نغمات عميقة منبعثة عن فكرة موسيقية مدروسة ، صادرة عن آلات منسجمة متوافقة تعرف كل آلة منها اللحن المفروض عليها ، وهي في آخر المطاف نبرة . . . نبرة فقط . والذي لا ريب فيه أن الشعور بالقومية تفلت من الذات ، وانطلاق نحو أفق أوسع ، وهو بالتالي شعور بالمسؤولية نحو الآخرين . . شعور بالانتقال من « أنا » إلى « نحن » . وفي هذا الانتقال تتلقى الذات شحنة إنسانية . وفي « نبرة » المتنبي تحول من الذاتية الطاغية على حياته ، وبداية شعور بان وراء ذاته شيئا